عبد الوهاب الشعراني
333
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
وليس الأمر كما ظنوا . ثم اعلم أن أهل اللّه تعالى إذا خافوا أن أحدا من العوام يتبعهم على تعظيم الأغنياء من غير فهم المعنى الذي قصدوه وخافوا أن يزدادوا بذلك الفعل رغبة في الدنيا فلهم إظهار الأنفة على الأغنياء والرؤساء تقديما لمصلحة المحجوبين ، وتأمل قولهم شرط الداعي إلى اللّه عز وجل أن يكون غنيا عن المدعوين لا يحتاج إليهم في شيء يمنون به عليه فعرف أنه ينبغي له استجلاب الناس لا تنفيرهم عنه فيحسن إليه بالمال والإقبال ولا ينبغي له قبول صدقاتهم وإحسانهم لأنه يهون بذلك في أعين المدعوين ويجب عليه التعفف عما بأيديهم وكف نفسه عنهم إما بمال أو قناعة قال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ النحل : 125 ] . فأما الحكمة فهو غناه عما بأيدي المدعوين وأما الموعظة الحسنة فهو تمهيده بساطا للمدعوين حتى إنهم يصيرون يبادرون إلى فعل ما ندبهم إليه من غير توقف لما يعلمون لنفوسهم في ذلك من المصلحة وفي القرآن وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] وقد استقر الأمر على أن تقديم الفقراء على الأغنياء مطلوب في كل ما فيه إكرام وأنه لا ينبغي لفقير أن يراعي أحدا من الأكابر بعد ما تبين له الحق فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر والسلام . ( خاتمة ) : لا ينقص من كمال الأنبياء عليهم السلام ، عدم معرفتهم بتدبير أحوال الدنيا في بعض الأوقات كما أشار إليه قوله صلى اللّه عليه وسلم ، في مسألة تلقيح النخل أنتم أعلم بأمر دنياكم وذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم ، مر على قوم وهم على رؤوس النخل ، فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ فقال : يلقحون النخل . فقال : ما أرى ذلك يجدي شيئا فسمع بذلك الأنصار فتركوا تلقيح نخلهم تلك السنة فقلّ حمل النخل وخرج البلح شيصا فأخبروه بذلك فقال : أنتم أعلم بأمر دنياكم ، يعني : في كل ما لم يوح إليه فيه شيء . قال الشيخ محيي الدين : وسبب خفاء بعض أحوال الدنيا على الأنبياء والأولياء ، إنما هو لما غلب على قلوبهم من عظيم مشاهدة جلال اللّه تعالى فغابوا بذلك عن تدبيرهم للكون ولو أن ذلك الجلال والعظمة انحجب عنهم لكانوا أعرف الناس بأمر الدنيا لكن لا يخفى أن حجابهم عن تدبير الكون إنما هو لهم في بعض الأوقات لا كلها كما أشار إليه خبر لي وقت لا يسعني فيه غير ربي . قال بعض العارفين : وما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى تزايد كماله وصار يدبر أمر الدنيا والآخرة ، ولم يكن يشغله مشاهدة جلال اللّه عز وجل ، عن ذلك .